مجمع البحوث الاسلامية
254
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لتعريف الجنس تفخيما وتشديدا ، وأريد بها الحرب بين المؤمنين والكفّار ، وفي ( 4 ) فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ نكرة ، وقبلها : ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا فأريد بها أنّ من لم يذر ما بقي من الرّبا من المؤمنين ، فهو كمن أعلن حربا على اللّه ورسوله ، فهي أيضا للتّشديد تعمية وإيهاما ، أي أعلن حربا عظيمة عليهما لا يعلم مداه . فبان أنّ التّعريف والتّنكير كلاهما فيها جميعا للتّشديد بمناسبة السّياق . قال البروسويّ : « أي بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره كائن » . وقال الآلوسيّ : « تنكير حرب للتّعظيم ، ولذا لم يقل : بحرب اللّه تعالى بالإضافة » . وعن الزّمخشريّ : « حرب من اللّه أبلغ من حرب اللّه ، لأنّ المعنى : فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند اللّه ورسوله » . 3 - الآية ( 1 ) هي من سورة الأنفال النّازلة في غزوة بدر ، أوّل غزوة وقعت بين المسلمين ومشركي قريش ، لكن هذه الآية لا علاقة لها بتلك الغزوة بل بجماعة من الكفّار نقضوا عهدهم مرارا ، فقبلها : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ . . . وهؤلاء كما حكاه في مجمع البيان ج 2 ص : 552 ، عن مجاهد : « هم يهود بني قريظة ، فإنّهم كانوا قد عاهدوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله على أن لا يضرّوا به ولا يمالئوا عليه عدوا ، ثمّ مالؤوا عليه الأحزاب يوم الخندق ، وأعانوهم عليه بالسّلاح ، وعاهدوا مرّة بعد أخرى فنقضوا ، فانتقم اللّه منهم » . لكن سياق الآيات لا يساعد ذلك ، لأنّ النّبيّ لم يقاتل بني قريظة في معركة ، حتّى يقال فيهم : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ . والآيات بعدها أوفق بالحروب الواقعة بينه وبين قبائل المشركين ، لا سيّما وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً . . . و أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ . ويبدو أنّها نزلت في أقوام من العرب بعد غزوة بدر ، متأخّرة عن نزول السّورة وألحقت بها ، لاحظ « ث ق ف ، خ ون ، ر ب ط » . وكذلك الآية ( 2 ) نزلت بشأن مشركي العرب وعامّة الكفّار كقانون للحرب ، دون قوم خاصّ كما يقتضيه سياق سورة محمّد وتمام الآية : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ . . . . وقد تبيّن من ذلك أنّ ما جاء في النّصوص في تفسير حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها مثل : « حتّى لا يبقى دين غير الإسلام » و « حتّى يخرج عيسى بن مريم . . . » ونحوهما ، لا يوافق سياق الآية ، فإنّ المراد ب ( الحرب ) فيها : حرب اشتغلوا بها ، لا كلّ حرب تشنّ فيما بعد إلى يوم القيامة . ولكن هذا الحكم مستمرّ كقانون للحرب . وهو واضح لا ريب فيه ، وفيها بحوث ، لاحظ « وزر : أوزارها » . وأمّا الآية ( 3 ) - فكما تحاكي صدرها - نزلت في اليهود : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ إلى أن قال :